السيد محمد حسين فضل الله
15
من وحي القرآن
وفي ضوء ذلك يمكننا الإطلال على مدلول التأويل ، فلا يكون المقصود به إرادة غير المعنى الظاهر من اللفظ ، بل استيحاء معنى من خلال المعنى المقصود من اللفظ ، بحسب الوضع الذي انطلق من خلال الاستعمال ، وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السّلام في قوله تعالى : وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [ المائدة : 32 ] « قال : من حرق أو غرق ، قلت : فمن أخرجها من ضلال إلى هدى ؟ فقال : ذلك تأويلها الأعظم » « 1 » . فقد لا يكون مراد الإمام عليه السّلام من ذلك أنّ المراد من الحياة هو الهدى ، وأنّ المراد من الموت هو الضلال ، أو أن يكون الهدى والضلال معنيين إضافيين للحياة والموت بالإضافة إلى معناهما المادي ، بل المراد أنّ التعمّق في قيمة الهدى ، الذي يتحرّك فيه الدعاة إلى اللَّه ، لينقلوا النّاس إليه من مواقع الضلال ، لا يقّل أهمية عن قيمة الحياة التي ينقذها النّاس من الموت ، لأنّ نتائج الهدى في روحيّة الإنسان وفي مصيره الأبدي تمثّل نتائج الحياة الحقيقة ، فهي مسألة استيحائية لا مدلولية ، أو ربما يقرب من مفهوم الموافقة . ونلتقي - في هذا الاتجاه - بالحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السّلام في تفسير قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ [ عبس : 24 ] « قال : قلت : ما طعامه ؟ قال : علمه الذي يأخذه ممّن يأخذه » « 2 » . فإنّ من الواضح أنّ العلم لا يمكن أن يكون مدلولا لكلمة الطعام في هذه الآية ، حتى مع تصورنا . أنّ هناك طعاما للعقل بالإضافة إلى طعام الجسد ، لأنّ الآيات الأخرى تؤكّد أنّ المراد به الغذاء المادي الذي ينطلق من النبات ، وهي قوله تعالى : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا * وَحَدائِقَ غُلْباً * وَفاكِهَةً وَأَبًّا * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
--> ( 1 ) م . س . م : 1 ، ج : 2 ، ص : 347 - 348 ، باب : 8 ، روآية : 57 . ( 2 ) م . ن ، م : 1 ، ج : 2 ، ص : 398 ، باب : 14 ، روآية : 38 .